ابن قيم الجوزية

648

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

الثامن : أن الجنة دار فضله ، والنار دار عدله ، وفضله يغلب عدله . التاسع : أن النار دار استيفاء حقه الذي له ، والجنة دار وفاء حقه الذي أحقّه هو على نفسه ، وهو سبحانه يترك حقه ، ولا يترك الحق الذي أحقه على نفسه . العاشر : أنّ الجنة هي الغاية التي خلقوا لها في الآخرة ، وأعمالها هي الغاية التي خلقوا لها في الدنيا ، بخلاف النار ، فإنه سبحانه لم يخلق خلقه للكفر به والإشراك ، وإنما خلقهم لعبادته وليرحمهم . الحادي عشر : أن النعيم من موجب أسمائه وصفاته ، والعذاب إنما هو من أفعاله ، قال تعالى : * نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 49 ) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ( 50 ) [ الحجر ] وقال : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 167 ) [ الأعراف ] وقال : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) [ المائدة ] . وما كان من مقتضى أسمائه وصفاته ، فإنه يدوم بدوامه . فإن قيل : فإنّ العذاب صادر عن عزّته وحكمته وعدله ، وهذه أسماء حسنى وصفات كمال ، فيدوم ما صدر عنها بدوامها . قيل : لعمر اللّه ! إنّ العذاب صدر عن عزة وحكمة وعدل ، وانتهاؤه عند حصول المقصود منه يصدر عن عزة وحكمة وعدل ، فلم يخرج العذاب ولا انقطاعه عن عزته وحكمته وعدله ، ولكن عند انتهائه يكون عزة مقرونة برحمة ، وحكمة مقرونة بجود وإحسان وعفو وصفح ، فالعزة والحكمة لم يزالا ، ولم ينقصا ، بل صدر جميع ما خلقه ويخلقه وأمر به ويأمر به عن عزته وحكمته .